اذاعة القران الكريم ..والانطلاقة الغائبة !
اذاعة القران الكريم ..والانطلاقة الغائبة !

إصدارات الدار :  موقع الإصدار نسخة   PDF  
فيسبوك فيسبوك
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
جلاء جاب الله
المشرف العام
مجاهد خلف
القراء
      الـمــقــــال الــقـــاتـــل
بقلم: حسن زايد
 


تاريخياً قيل أن هناك أبياتاً من الشعر قتلت أصحابها ، وكان أشهرها ذلك البيت الذي أطاح بعنق المتنبي ، وحكايته أن المتنبي قد هجا رجلاً من بني أسد يدعي ضبة بقصيدة ، فترصدوا له في الطريق ليقتلوه . وحين رآهم هرب منهم ، فقال له ابنه : يا أبه وأين قولك : الخيل والليل والبيداء تعرفني * * والسيف والرمح والقرطاس والقلم . فقال المتنبي : قتلتني يا ابن اللخناء " النتنة أو قبيحة الكلام " ، فعاد أدراجه ليحارب ، فقتل وطار رأسه . وقيل أن محدثه كان غلامه ، وليس ولده .
وبالمثل يمكننا القول بأن هذا المقال هو الذي قتل صاحبه ، فما هو المقال ؟ . ومن هو صاحبه ؟ . ومن قاتله ؟
. في عدد مجلة الرسالة المصرية رقم 366 الصادر في 8 يوليو 1940م نشر للدكتور / اسماعيل آدهم مقالاً علمياً من أربع صفحات ، معنوناً بعنوان " البناء الكهربي للذرة ـ THE ELECTRICAL STRUCTURE OF THE ATOM " . وهو مقال مليء بالمعادلات الفيزيائية المعقدة . وقد أشار في المقال إلي أن ما توصل إليه العالم الألماني هينزنبرغ قد أثبته هو من قبله بسنين في معامل البحث العلمي في موسكو . وأن ما أعلنه البروفيسور الروسي سكوبلزن سنة 1938 م ، ينسجم تماماً مع مباديء الفيزياء الحديثة ، التي أثبتها هو سنة 1933 م .
وصاحب هذا المقال هو الدكتور/ اسماعيل آدهم . كاتب مصري ولد عام 1911 م لأب مسلم من أصول تركية ، وأم ألمانية مسيحية بروتستانتية ، نشأ بمدينة الأسكندرية ، وتعلم بها ، ثم سافر إلي موسكو للحصول علي درجة الدكتوراه في الفيزياء الذرية من موسكو ، وحازها وهو في العشرين من عمره ، وقام بالتدريس في جامعات موسكو، وكان عضوا في مجمع علومها في عام 1931م . وحصل على الدبلوم العالى من معهد الطبيعيات الروسية عام 1932م ، وحصل على درجة الدكتوراه فى الرياضيات البحتة من جامعة موسكو عام 1933م ، وتقدّم للدكتوراه برسالته عن : "ميكانيكية جديدة مستندة إلى حركة الغازات وحسابات الاحتمال" وكانت عبارة عن رسالة فى الطبيعيات النظرية ، وحصل على الدكتوراه فى العلوم وفلسفتها مع مرتبة الشرف. ثم انتقل إلى تركيا للعمل كمدرس في معهد أتاتورك بأنقرة، وقد عاد أدهم إلى مصر عام ١٩٣٦م، لينصرف إلى الفكر والتأليف ، . وإلي جانب ذلك ترك تراثــًا مهمًا فى مجال النقد الأدبى ، والتاريخ ، والعلوم الإنسانية. وقد كان يجيد عدة لغات انعكست علي ترجماته ومراجعاته ، والمخطوطات التي كان يعدها بالعربية والألمانية والإنجليزية .
وقد كانت مأساة الدكتور/ اسماعيل آدهم في الرسالة التي كتبها في سنة 1937م المعنونة بـ : " لماذا أنا ملحد ؟ "، وقال في مستهلها أنه كتبها رداً علي رسالة الشاعر / أحمد زكي أبو شادي المعنونة بـ : " عقيدة الألوهية ". وقد رد علي رسالته الكاتب / محمد فريد وجدي ، برسالة عنْوَنَها بـ : " لماذا هو ملحد ؟ " ، فند فيها أفكار أطروحته في هذه الرسالة .
ولم يقف الأمر عند هذا الحد ، بل امتد إلي التحقيق معه بمعرفة النيابة ، استجابة لدعوة الشيخ يوسف الدجوي ، ومشايخ الأزهر ، وتم مصادرة الرسالة ، وبتفتيش منزله وجدوا به الرسالة ، وكتاب " لماذا أنا ملحد ؟ لبرتراند راسل ، وملفات تحوي أبحاثاً متعددة في فلسفة النشوء والإرتقاء ، ومظروفاً يحوي ثلاثين صفحة من كتاب بخطه يشرع في تأليفه ، ينكر فيه وجود الله ، ويؤكد إلحاده .
حالت جنسيته التركية ، وحالته الصحية ، حيث أنه كان يعاني مرضاً صدرياً ، دون سجنه . واكتفت النيابة بتحذيره ، وتعطيل مجلة الإمام التي نشرت رسالته .
ونحن هنا لسنا بصدد مناقشة قضية إلحاده ، وإنكاره لوجود الله . إذ ربما يرجع ذلك إلي توزعه بين ديانة أبيه المسلم ، وديانة أمه المسيحية ، وديانته كمسلم ،وديانة أختيه المسيحيتين . وربما يمكن إرجاعه إلي تأثره بالشيوعية الماركسية ـ القائمة علي الإلحاد ـ التي عايشها في موسكو .
أياً كان الأمر فإن دائرة الحظر، قد امتدت تلقائياً كالعدوي ، وشملت جميع أعماله ، وبدأ يشعر بالعزلة ، وهو لا يزال شاباً لم يجاوز العقدين وبعض العقد من الزمن . وبدأ يعاني من الإكتئاب خاصة بعد قراءاته لكتب الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور، وسورين كير كجارد .
ثم فوجئت الأوساط العلمية والثقافية ، بعد نشر مقاله القاتل في 8 يوليو 1940م ، بخبر انتحاره يوم الثلاثاء 23 يوليو 1940م ، بإلقاء نفسه في البحر علي شاطيء جليم ، في الأسكندرية ، في الساعة الثانية صباحاً ، وفشلت جهود رواد الشاطيء في انقاذه . وبعد بضع ساعات ، نجح رجال الأمن والإسعاف في انتشال جثته ، وقد وجدوا في ملابسه رسالة ، قال فيها بانتحاره ، زهداً في الحياة ، وكراهية لها . وأوصي بتشريح جثته ، ومخه ، وإحراقهما ، وعدم دفنه في مقابر المسلمين . ولكن وصيته لم تنفذ ، وجري دفنه في أجواء من الصمت المطبق ، ولم يمش في جنازته سوي خمسة أشخاص .
أما عن القاتل ، فقد طويت الصحف ، وجفت الأقلام علي أنه قد انتحر . ومع ذلك تبقي في ذيل مثل هذه القضايا أمور معلقة ، تؤكد أن مقاله هو قاتله . من بينها أنه أشيع أن الرسالة التي وجدوها في ملابسه كانت جافة غير مبللة . والمنتحر الملحد لا يشغله ما يفعل بجثته بعد موته ، والمفارقة بين الإنتحارغرقاً وووصيته بحرق جثته . ثم إعلان أخيه دكتور / إبراهيم آدهم ، أن كل أوراق وكتب وأبحاث الدكتور / اسماعيل آدهم ، ومنها ثلاث كتب في الفيزياء والذرة ، قد اختفت في ظروف غامضة دون أن يعرف أحد مكانها . وفي نفس العام 1940م جري جمع كبار علماء الذرة في العالم ، للبدء في مشروع منهاتن الأمريكي ، لتصنيع القنبلة النووية .
اسماعيل آدهم ـ بعيداً عن قضية إلحاده ـ رغم عمره الذي لم يجاوز الـ 29 عاماً ، كان يعد عبقري زمانه ، وقد خسرت البشرية كثيراً برحيله المبكر .

 
      saturday 18/03/2017 14:37     مرات قراءة الموضوع: 205
موضوعات ذات صلة
 
ضـــد مـجــهـــول !!
 
مواقع الـتـواصل الإجـتـماعي وتأثيراتها الإجتماعية والإقتصادية والسياسية
 
ثم غربت شمس مس كوري المصرية
 
إغـتـيـال آيـنـشــتاين الـعـرب
 
صفعة علي وجه النظـام
اقرأ أيضا
 
إغتيال البراءة
 
مواقع الـتـواصل الإجـتـماعي وتأثيراتها الإجتماعية والإقتصادية والسياسية
 
يا حرقة دمنا ،، هو مال سايب !!
 
عبقرية التطوير في المسرح العائم
 
علاقة الشعور بالسّعادة والمرحلة العمرية
أخر الأخبار
 
محافظ القاهرة يوزع دراجات بخارية على ذوي الإعاقة
 
محافظ الأقصر يبحث تشغيل خط طيران مباشر من اسطنبول لتنشيط السياحة
 
وليد سليمان ومروان محسن راحة من التدريبات اليوم
 
سقوط " القط " امبراطور المخدرات ببنها بعد مطادرة مثيرة بالمقابر
 
قابيل: جار الإعداد لإقامة المهرجان الثالث للتمور المصرية بواحة سيوة
 
الرئيسية
 
سياسة
 
اقتصاد
 
رياضة
 
تعليم
 
الخدمات التعليمية
 
تكنولوجيا
 
حوادث
 
أوتو
 
سياحة
 
صحة وجمال
 
القراء
 
عين على الشارع
 
متغربين
 
الخط الساخن
 
فنون
جميع الحقوق محفوظة © دار التحرير للطبع و النشر - 2015 إدارة نظم المعلومات