الحل العبقري.. المواطن لازم يدفع !!
الحل العبقري.. المواطن لازم يدفع !!

إصدارات الدار :  موقع الإصدار نسخة   PDF  
فيسبوك فيسبوك
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
جلاء جاب الله
المشرف العام
مجاهد خلف
القراء
      اللـص وقـطـعـة الشــيكـولاتـــة
بقلم: حسن زايد
 

لا أجيد الكتابة الساخرة ، ولا أستسيغها في مواقف الجد ، وإن كان الشعب المصري معلوم من طباعه ،أنه يلتجيء إلي السخرية اللاذعة ، التي تقطر مرارة ، للتعبيرعن أنكي المواقف التراجيدية ، التي تصدمه . وأعتقد أن كوميديا الموقف ، تتولد غالباً نتيجة المفارقة المفجعة ، بين الموقف التمثيلي ، والموقف الواقعي . وفي هذه المرة ، وجدتني مرغماً علي إدارة دفة تفكيري وجهة أخري ، بعيداً عن المسرح الذي تنتهي مشاهدة بمجرد إسدال الستار. وانتقلت إلي الزاوية الواقعية وعندما تتحرك الكاميرات قليلاً ، وتتحرك معها الأضواء ، بعيداً عن خشبة المسرح ، وينسدل الستار علي المشهد التمثيلي . وتتوجه بقعة الضوء ، مصحوبة بعدسات الكاميرات ، إلي تلك الزاوية ، المظلمة ، الضيقة ، الرطبة من الحياة ، إلي حيث يوجد رجل ـ نموذج ومثال ـ ضاقت به الأرض بما رحبت ، وضاقت عليه نفسه ، وتقطعت به سبل الحياة . يقف عاجزاً ، مكتوف اليدين ، قليل الحيلة ، في مواجهة نجله الصغير ، وهو يطلب منه في تذلل ، قطعة من الشيكولاته ، تلك التي يراها في إعلانات التلفاز ، التي تدق عظامه الصغيرة ، ليل نهار، اشتهاءًا لها ، وذلك الزخم من إعلانات أصناف ، رأي فقط أغلفتها ، من خلال الشاشة الفضية ، وهي تلح عليه إلحاحاً عجز عن احتمال وطأته . وهو يري في ذات الإعلانات أطفال مثله ، وهي تلتهم هذه الأصناف بتلذذ ونهم . وتتضخم في رأسه أسئلة ، وعلامات استفهام وتعجب ، تضخماً سرطانياً ، لم يستطع احتماله ، فما وجد بداً من مواجهة من كان سبباً في استدعاءه للحياة ، واجه أبيه بطلبه ، ورغبته ، وحاجته إلي الإشباع . وفي كل مرة ـ وإزاء العجز عن الإستجابة ـ ينهره أباه ، وينهاه . وفي كل مرة ، يطوي الطفل دمعته بين أجفانه ، وينصرف قهراً . وليذهب علم النفس وأصول التربية ومناهجها إلي الجحيم . ولتذهب الإنسانية وقيمها إلي حيث تستحق . وما بين الطفولة المعذبة بلهيب الحرمان والجوع ، والأبوة المنكسرة المقهورة العاجزة ، تربض هناك عين راصدة ، تلتقط كل حركة وسكنة ، لكل شاردة وواردة ، وتعد عليها أنفاسها ، وصمتها وهمسها ، إنها كاميرا المراقبة . آلة من صنع الإنسان ، لمراقبة الإنسان ، وهي لا تعرف للإنسانية سبيلاً . التقطت الرجل الخائف المرتجف ، مدفوعاً بحمي الإلحاح والحاجة ، التي أصابت طفله الصغير ، وكرابيج العيون المتوسلة ، تلهب جوانب نفسه البشرية الضعيفة ، العاجزة ، وتطارده أينما حل أوارتحل ، في نومه ويقظته . التقطته الكاميرات وهو يمد يد مرتعشة مذعورة ، وعيون الكون تحاصره ، إلي علبة الشيكولاته ، والتقط منها قطعة واحدة ، وأخفاها بين طيات ملابسه ، ولسانه يلهج بالدعاء بالستر والسماح ، والدم يهرب من عروقه ، كم ودَّ لو أن الأرض ابتلعته ، وأخفته عن العيون المحاصِرة ، أو أن قدميه حملته ، تسابق به الريح ، قبل أن يُدرك وجوده أحد ؟ ! . وما هي إلا هنيهة حتي وجد نفسه فريسة بين أيادي غليظة ، ذات أظافير معكوفة ، تتناوشه من كل حدب وصوب ، لأناس انزرعوا للتو في المكان . وألسنة حداد تسفعه بأقذع الألفاظ . كم تمني لو تنخسف به الأرض، فلا يبقي له من أثر ولا ذكري ، سوي تلك الصورة الكريمة ، التي انطبعت عنه في وجدان ولده . تشبثت به الأيادي ، كما لو أنها قد ظفرت بصيد سمين ، وهو مستسلم لقدره ومصيره المحتوم . وسحبوه من قفاه ، ما بين لطم ، ووكز، وركل ، ونخز ، حتي وصلوا به إلي قسم الشرطة . وألقوه متكوماً أمام الضابط ، خائر القوي ، منقطع الأنفاس . وبعد المقدمة ، وفتح المحضر ، وأخذ الأقوال ، واعتراف المتهم ، بقيامه بسرقة قطعة شيكولاته ، من أجل ابنه الصغير، وأنه لا يملك نقودا تكفي لشراء ما سرق ، وبتفتيشه ، عثر بحوزته علي مبلغ وقدره فقط 75 قرشاً لا غير . أقفل المحضرعلي ذلك في ساعته وتاريخه بعد إثبات ما تقدم ، وقد أرفق به الحرز بعد معاينته ، وإثبات أوصافه ، وأنه عبارة عن قطعة من الشيكولاته المغلفة ، محددة الماركة التجارية . وأحيل المتهم إلي النيابة العامة للتحقيق ، وأمام النيابة اعترف المتهم ـ والإعتراف سيد الأدلة ـ بأنه قد إقترف جناية السرقة ، وأن محتوي الحرز هو ما قام بسرقته . وقد أمرت النيابة بإخلاء سبيل المتهم بسرقة قطعة الشيكولاته من " سوبر ماركت " لنجله ، من سراي النيابة ، بضمان محل إقامته . وقد قررت النيابة إحالة المتهم إلي المحاكمة ، وحددت يوم 20 مارس الجاري ؛ لنظر محاكمته . ملحوظة : صرحت مصادر مطلعة ، وموثوق بها ، بأن قطعة الشيكولاته ، مصنعة من جسم الهرم الأكبر ، وأن في سرقتها ضرب للسياحة ، والإضرار العمدي بالإقتصاد القومي . وأن الشعب يقف علي أظافر أقدامه ، انتظاراً لنتائج تلك المحاكمة .

 
      sunday 03/12/2017 23:43     مرات قراءة الموضوع: 189
موضوعات ذات صلة
 
مواقع الـتـواصل الإجـتـماعي وتأثيراتها الإجتماعية والإقتصادية والسياسية
 
ثم غربت شمس مس كوري المصرية
 
إغـتـيـال آيـنـشــتاين الـعـرب
 
صفعة علي وجه النظـام
 
الـمــقــــال الــقـــاتـــل
اقرأ أيضا
 
يا حرقة دمنا ،، هو مال سايب !!
 
عبقرية التطوير في المسرح العائم
 
علاقة الشعور بالسّعادة والمرحلة العمرية
 
ثم غربت شمس مس كوري المصرية
 
عيونا مراية
أخر الأخبار
 
لجنة من "الرقابة الإدارية" فى مطار القاهرة لرصد أى سلبيات تواجه الركاب
 
الإنتاج الحربى توقع بروتوكول تعاون لتطوير مجالات الطاقة الكهربية
 
بالصور..سحر نصر من المستشفى السعودي الألماني: ندعم الاستثمار في البشر
 
السيطرة على حريق شب بعقار فى فيصل
 
وزير الإسكان يشهد توقيع عقد إنشاء فندق "فيرمونت" بـ6 أكتوبر
 
الرئيسية
 
سياسة
 
اقتصاد
 
رياضة
 
تعليم
 
الخدمات التعليمية
 
تكنولوجيا
 
حوادث
 
أوتو
 
سياحة
 
صحة وجمال
 
القراء
 
عين على الشارع
 
متغربين
 
الخط الساخن
 
فنون
جميع الحقوق محفوظة © دار التحرير للطبع و النشر - 2015 إدارة نظم المعلومات